ابو القاسم عبد الكريم القشيري

291

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 21 ] أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 21 ) لأنّ من لحقه وصف التكوين لا يصحّ منه الإيجاد . وفي التحقيق كلّ من علق قلبه بشئ ، وتوهّم منه خيرا أو شرا فقد أشرك باللّه بظنّه ، وإنما التوحيد تجريد القلب عن حسبان شظيّة من النفي والإثبات من جميع المخلوقين والمخلوقات . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 22 ] إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 22 ) لا قسيم لذاته جوازا أو وجوبا ، ولا شبيه له ولا شريك . ومن لم يتحقق بهذه الجملة قطعا ، وبشهادة البراهين له تفصيلا فهو في دركات الشّرك واقع ، وعن حقائق التوحيد بمعزل ، قال تعالى في صفة الكفار : « قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ » أي في أسر الشّرك وغطاء الكفر ، ثم ليس فيه اتصاف لطلب العرفان ؛ لأنّ العلة - لمن أراد المعرفة - متاحة ، وأدلة الخلق لائحة . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 23 ] لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ( 23 ) فيفضحهم ويبيّن نفاقهم ، ويعلن للمؤمنين كفرهم وشقاقهم . قوله جل ذكره : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ . دليل الخطاب أنه يحب المتواضعين المتخاشعين ، ويكفيهم فضلا بشارة الحق لهم بمحبته لهم . قوله جلّ ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 24 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 24 ) لحقهم شؤم تكذيبهم ، فأصرّوا على إعراضهم عن النظر ، وقست قلوبهم ولم تجنح